فخر الدين الرازي

417

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

التي ذكرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لدم الحيض ، فإذا علمنا ثبوتها حكمنا بالحيض ، وإذا علمنا عدمها حكمنا بعدم الحيض ، وإذا ترددنا في الأمرين كان طريان الحيض مجهولا وبقاء التكليف الذي هو الأصل معلوم والمشكوك لا يعارض المعلوم ، فلا جرم حكم ببقاء التكاليف الأصلية ، فبهذا الطريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل للحيض زمان معين ، وحجة مالك من وجهين الأول : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم بين علامة دم الحيض وصفته بقوله : « دم الحيض هو الأسود المحتدم » فمتى كان الدم موصوفا بهذه الصفة كان الحيض حاصلا ، فيدخل تحت قوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وتحت قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش : « إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة » . الحجة الثانية : أنه تعالى قال في دم الحيض : هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ذكر وصف كونه أذى في معرض بيان العلة لوجوب الاعتزال ، وإنما كان أذى للرائحة المنكرة التي فيه ، واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه ، وإذا كان وجوب الاعتزال معللا بهذه المعاني فعند حصول هذه المعاني وجب الاحتراز عملا بالعلة المذكورة في كتاب اللّه تعالى على سبيل التصريح ، وعندي أن قول مالك قوي جدا ، أما الشافعي فاحتج على أبي حنيفة بوجهين : الحجة الأولى : أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته وفي الزائد على العشرة بدليل أنه عليه السلام وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم ، فإذا وجد ذلك فقد حصل الحيض ، فيدخل تحت عموم قوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ تركنا العمل بهذا الدليل في الأقل من يوم وليلة ، وفي الأكثر من خمسة عشر يوما بالاتفاق بيني وبين أبي حنيفة ، فوجب أن يبقى معمولا به في هذه المدة . الحجة الثانية : للشافعي في جانب الزيادة ما روي أنه صلى اللّه عليه وسلّم لما وصف النسوان بنقصان الدين ، فسر ذلك بأن قال : تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي ، وهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوما ، لأن على هذا التقدير يكون الطهر أيضا خمسة عشر يوما فيكون الحيض نصف عمرها ، ولو كان الحيض أقل من ذلك لما وجدت امرأة لا تصلي نصف عمرها ، أجاب أبو بكر الرازي عنه من وجهين الأول : أن الشطر ليس هو النصف بل هو البعض والثاني : أنه لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضا نصف عمرها ، لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ هو من عمرها . والجواب عن الأول : أن الشطر هو النصف ، يقال : شطرت الشيء أي جعلته نصفين ، ويقال في المثل : أجلب جلبا لك شطره ، أي نصفه ، وعن الثاني أن قوله عليه السلام : « تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي » إنما يتناول زمان هي تصلي فيه ، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ ، واحتج / أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة من وجوه : الحجة الأولى : ما روي عن أبي أمامة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشر أيام » قال أبو بكر : فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد . الحجة الثانية : ما روي عن أنس بن مالك ، وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهما قالا الحيض ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام وما زاد فهو استحاضة والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن القول إذا ظهر عن